خطبة الجمعة

الحمدُ لله ذي الفضل والإِحسان جَعَلَ الحياء شعبةً من شعب الإِيمان، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وحده لا شريكَ له (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29].
وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الثقلين الإِنس والجان، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نَشَرُوا دينه في جميع الأوطان، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيُّها الناسُ:

اتقوا الله تعالى ، واستحيُوا منه حقَّ الحياءِ، واعلمُوا أنه رقيبٌ عليكم أينَما كنتُم يسمَعُ ويرى، فلا تبارزوه بالمعاصي، وتَظُنُّوا أنكم تَخْفَوْنَ عليه، فإنَّه يسمَعُ السرَّ والنجوى
فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “إن الحياءَ لا يأتي إلا بخيرٍ”.
وقد مرَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- برجلٍ وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، أي: يلومه عليه، فقال: “دَعْه فإنَّ الحياءَ من الإِيمان”.
والحياءُ عبادالله يكونُ بينَ العبد وبين ربِّه -عز وجل-، فيستحي العبدُ من ربِّه أن يراهُ على معصيتِه ومخالفته، ويكون بين العبد وبين الناس ، وقد بيَّنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي جاء في “سنن الترمذي” مرفوعاً: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “استحيُوا مِنَ الله حقَّ الحياء” قالوا: إنَّا نَسْتَحْيِي يا رسولَ الله؟ قال: “ليسَ ذلكم، ولكن مَنْ استحيى مِنَ الله حقَّ الحياء؛ فليحفَظُ الرأسَ، وما وعى، وليحفَظِ البطنَ وما حَوَى، وليذكُرِ الموتَ والبِلَى، ومَنْ أرادَ الآخرة تركَ زينةَ الدنيا، فمَنْ فَعَلَ ذلك فقد استحَيى مِنَ الله حقَّ الحياء”.
فقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: علاماتِ الحياء من الله -عز وجل-: أنَّها تكونُ بحفظ الجوارح عن معاصي الله، وبتذكر الموت، وتقصير الأمل في الدنيا.
وأما الحياءُ الذي بين العبد وبين الناس، فهو الذي يكُفُّ العبدُ عن فعل مالا يليقُ به، فيكره أن يطَّلِعَ الناسُ منه على عيبٍ ومذمة، فيكُفُّه الحياءُ عن ارتكابِ القبائح، ودناءة الأخلاق، فالذي يستحيي من الله يجتنبُ ما نهاهُ عنه في كل حالاته في حال حضوره مع الناس، وفي حال غيبته عنهم.
والذي يستحي من الناس لا بُدَّ أن يكون مبتعداً عما يُذَمُّ من قبيح الخصال، وسيِّئ الأعمال والأقوال، فلا يكونُ سبّاباً، ولا نمَّاماً ومُغتاباً، ولا يكون فاحشاً ولا مُتَفَحِّشاً، ولا يجاهرُ بمعصيةٍ، ولا يتظاهرُ بقبيحٍ، حياؤه من الله يمنَعُه من فسادِ الباطن، وحياؤُه من الناس يمنَعُه من فسادِ الظاهر، فيكونُ صالحاً في باطنه وظاهره، في سرِّه وعلانيته، فلهذا صار الحياءُ من الإِيمان.
أما الحياءُ الذي يمنَعُ صاحبه من السعي فيما ينفَعُه في دينه ودنياه، فإنه حياءٌ مذموم، وهو ضعفٌ وخَوَرٌ وعَجْزٌ ومهانة، فلا يستحي المؤمنُ أن يقولَ كلمةَ الحق، وأن يأمُرَ بالمعروف وينهَى عن المُنْكَرِ، ولا يستحي المؤمنُ أن يسألَ عن أمورِ دينه، فإنَّ الحياءَ الذي يمنَعُ من فعلِ الخير أو قول الحق إنَّما هو تخذيلٌ من الشيطان.
ومَنْ سُلِبَ الحياءَ، لم يبقَ له ما يمنَعُه من ارتكابِ القبيح والأخلاق الدنيئة، وصار كأنه لا إيمانَ له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ مما أدركَ الناس من كلامِ النبوة الأولى: إذا لم تستَحِ فاصنعْ ما شئتَ” [رواه البخاري].
ومعنى الحديث أنَّ مَنْ لم يستحِ صَنَعَ ما شاء من القبائحِ والنقائص، فإنَّ المانِعَ له من ذلك هو الحياءُ وهو غير موجود، ومَنْ لم يكن له حياءٌ انهمك في كل فحشاء ومنكر؛ فعن سلمانَ الفارسي -رضي الله عنه- قال: “إنَّ الله إذا أرادَ بعبده هلاكاً نَزَعَ منه الحياءَ، فإذا نَزَعَ منه الحياء لم تلقَه إلا مقيتاً مُمَقَّتاً، فإذا كان مقيتاً ممقَّتاً نَزَعَ منه الأمانة، فلم تلقَهُ إلاَّ خائناً مُخَوَّناً، فإذا كانَ خائناً مُخَوَّناً نزع منه الرحمةَ، فلم تلقَه إلاَّ فَظّا غَليظاً، فإذا كان فَظّاً غليظاً نَزَعَ رِبْقَةَ الإِيمان من عنقه، فإذا نَزَعَ رِبْقةَ الإِيمان من عُنقِه، لم تلقَه إلا شيطاناً لَعينا ملعَّنا”.
فاتَّقُوا الله -عبادَ الله- وراقبُوا الله في تصرُّفاتكم إذ يقول جل وعلا :(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:12 – 14].
إخوة الإيمان:
حينما يسودُ الحياء خُلقَ المجتمع، فإنَّه يزيد ترابط أهله، ويعزِّز لُحْمَتهم، ويقوِّي أُلْفَتهم، ويسوقهم إلى أعالي قمم المجْد والكرامة، فيُوقَّر الكبير، ويحتَرم أهلُ الفضل، وتُصان الحرمات، ويُترفَّع عن السفاسف والرَّذائل، فيزداد المجتمع بذلك أمنًا وأمانًا، وخيرًا وصلاحًا، وصَدَق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : “الحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير”. وإن غاب الحياء عن المجتمع فحدث ولا حرج !
عباد الله:
إن من الواجب عباد الله نشر المجتمع لثقافة الحياء والاستِحْياء، والحرص على عدم نشْر السُّوء والفحْشاء، والتَّوفيق كلّ التَّوفيق من ربِّ الأرض والسَّماوات.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب ، وأصلح اللهم أحوالنا في الأمور كلها وبلغنا بما يرضيك أمالنا واختم اللهم بالصالحات أعمالنا وبالسعادة أجالنا وتوفنا يا رب وأنت راض عنا ، ربنا لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا مريضا إلا شفيته ولا ميتا إلا رحمته ولا طالبا أمرا من أمور الخير إلا سهلته له ويسرته ، اللهم اجعل بلدنا بلدا آامنا وارزقه من كل الخيرات وجنبه الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم إنا نستعيذ بك من شر ما خلقت ونسألك اللهم التوفيق والسداد والهداية والرشاد وحسن العقبى وحسن الميعاد ، اللهم اتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من امرنا رشدا واتنا ربنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغْفِر الله ربِّي وربَّكم من كلِّ ذنبٍ وخطيئة فاستغْفِروه، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .
كسرة :
إختفت عبارة (قليل الحياء) التي كانت تردد على زماننا .. ذهب الحياء ولم يتبق منه لا قليل ولا كثير !!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: