خطبة الجمعة

الحَمْدُ للهِ العَلِيمِ الرَّحْمَنِ، خَلَقَ الإنْسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ، وَأَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ العِلْمَ أسَاسَ الفَوْزِ والنَّجَاحِ، وَالتَّقَدُّمِ وَالصَّلاحِ، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَمِينُهُ علَى وَحْيِهِ، وَرَحْمَتُهُ لِعِبَادِهِ، عَلَّمَهُ رَبُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عَظِيمًا، وَعلَى آلِهِ الأطْهَارِ الأبْرَارِ، وَأصَحْابِهِ الأَتْقِيَاءِ الأَخْيَارِ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَمْ وَعَمَّنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ القَرَارِ.
أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي – عِبَادَ اللهِ – بِتَقْوَى اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا – رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ – أَنَّ آلاءَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وافِرةٌ، لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى، فَكَمْ للهِ مِنْ نِعَمٍ أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي هَذَا الْعَصْرِ، الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ وَسَائِلُ الرَّاحَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ، فَتَقَدَّمَتِ الْبَشَرِيَّةُ فِي ظِلالِ الثَّوْرَةِ الْعِلْمِيَّةِ ، فَلا تَسَلْ عَنْ صُنُوفِ الْمُخْتَرَعَاتِ بِأَرْقَى التِّقْنِيَّاتِ، وَلا تَسَلْ عَنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةِ بِمُخْتَلَفِ الْبَرَامِجِ والتَّطْبيقاتِ، الَّتِي قَرَّبَتِ الْبَعِيدَ، وَسَهَّلَتِ الاطِّلاعَ عَلَى كُلِّ جَدِيدٍ وَمُفِيدٍ، وَيَسَّرَتْ لِلنَّاسِ تَنَاقُلَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَتَبَادُلَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَغَدَتْ لَهُمْ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِ صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَفَقُّدِ الأَصْحَابِ، وَالتَّوَاصُلِ بَيْنَهُمْ بِمُكَالَمَتِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ، وَالسُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَإِسْدَاءِ النُّصْحِ وَتَقْدِيمِ الْمَعْرُوفِ لَهُمْ، وَتَذْكِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِسُبُلِ الْبِرِّ والْخَيْرِ، وَتَنَاقُلِ مَا يُهِمُّهُمْ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ وَآخِرَتِهِمْ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
لا شك أنكم تعلمون بإِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةَ سِلاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، َإِنَّمَا تَكُونُ مَنَافِعُهَا وَمَضَارُّهَا بِحَسَبِ مُسْتَخْدِمِها، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ أَحْسَنَ اسْتِخْدَامَهَا فِيمَا يُعَزِّزُ تَوَاصُلَهُ مَعَ الآخَرِينَ، وَفِيمَا يَرْتَقِي بِنَفْسِهِ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَتَّى مَيَادِينِ حَيَاتِهِ، حَتَّى أَضْحَى نَافِعًا لِمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ وَأُمَّتِهِ، مِنْ خِلالِ مُشَارَكَاتِهِ الْقَيِّمَةِ بِالْمَقَاطِعِ وَالرَّسَائِلِ وَالْمَقَالاتِ وَالأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ وَفِي مُقَابِلِ ذَلِكَ أَسَاءَ اسْتِخْدَامَهَا آخَرُونَ، فَجَعَلُوهَا مَطِيَّةً لِنَشْرِ الشَّرِّ وَالرَّذَائِلِ، وَهَدْمِ الْخَيْرِ وَالْفَضَائِلِ، وَوَسِيلَةً لِبَثِّ الإِشَاعَاتِ وَالأَفْكَارِ الْهدامةِ، وَنَقْلِ الْمَعْلُومَاتِ الْخَاطِئَةِ، وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَالْوَقِيعَةِ بَيْنَ النَّاسِ، يَكْذِبُ فِي خَبَرٍ أَوْ يُزَوِّرُ صُوَرًا فَيَنْشُرُهَا، لِتَبْلُغَ هَذِهِ الْكِذْبَةُ أَوِ الصُّورَةُ الآفَاقَ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ، فَيَتَضَرَّرُ بِهَا أُنَاسٌ أَبْرِيَاءُ، فَكَمْ هِيَ الْمَنْشُورَاتُ الْمُضَلِّلَةُ وَالرَّسَائِلُ الْبَغِيضَةُ الَّتِي تُحْدِثُ الْفُرْقَةَ وَالْخِلافً بَيْنَ مختلف الناس لِذَلِكَ وَجَبَ التَّنَبُّهُ لِهَؤُلاءِ وَالتَّثَبُّتُ وَالحَذَرُ مِنْ إِعَادَةِ نَشْرِ مَا يَنْشُرُونَ ويبثون.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ تَعَدُّدَ وَسائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَانْشِغَالَ فِئَاتٍ مِنَ الْمُجْتَمَعِ بِهَا، أَدَّى إِلَى أَخْطَاءٍ سُلُوكِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ، كَقَطْعِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ، تَرَاهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَكُلٌّ بِهَاتِفِهِ لاهٍ، وَرُبَّمَا إِذَا حُدِّثَ بِحَدِيثٍ لا يَنْتَبِهُ لِمُحَدِّثِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْخُلُقِ الْحَسَـِن، يَقُـولُ أَبُـو هُـرَيْرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ( لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ إِلاَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ لَمْ يَصْرِفْهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ كَلامِهِ) ، إِنَّ مِنَ الأَخْطَاءِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بَعْضُ الآبَاءِ أَنْ يُسَلِّمَ الابْنَ هَاتِفًا مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ، فَيَتْرُكَ لَهُ الْحَبْلَ عَلَى الْغارِبِ، وَلا يُكَلِّفَ نَفْسَهُ بِتَوْجِيهِهِ وَإِرْشَادِهِ أَوْ مُرَاقَبَتِهِ، بَلْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَفْرَحُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْجِهَازُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الانْشِغَالِ بِابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ، مُتَنَاسِيًا أَنَّ لِلْوَلَدِ حَقًّا فِي تَرْبِيَتِهِ عَلَى الدِّينِ وَحُسْنِ الأَدَبِ وَجَمِيلِ السُّلُوكِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)، وَقَدْ يُسَرُّ الأَبُ لأَنَّ ابْنَهُ الشَّابَّ الْمُرَاهِقَ أَصْبَحَ لا يَسْهَرُ خَارِجَ الْبَيْتِ، وَلا يَمْشِي مَعَ أَصْدِقَاءِ السُّوءِ، وَتَطْمَئِنُّ الأُمُّ عَلَى أَنَّ ابْنَتَهَا لا تَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ وَلا تُخَالِطُ أَحَدًا، بَلْ هُمَا مُسْتَتِرَانِ فِي الْبَيْتِ بَعِيدَانِ عَنِ الأَذَى، وَمَا عَلِمَا أَنَّهُمَا فِي عَالَمٍ آخَرَ، قَدْ تُبْنَى فِيهِ شَخْصِيَّاتُهُمَا، بِنَاءً مُغَايِرًا لِمَا عَلَيْهِ قِيَمُ أُسْرَتِهِمَا وَمُجْتَمَعِهِمَا، وَتَعَالِيمُ دِينِهِمَا، وَيَشِبَّانِ عَلَى أَفْكَارٍ خَاطِئَةٍ، وَيَتَرَبَّيَانِ عَلَى عَادَاتٍ مَقيتةٍ، لِذَلِكَ وَصَّانَا دِينُنُا الْقَوِيمُ، بِوِقَايَةِ الأَهْلِ وَالأَبْنَاءِ، مِنْ كُلِّ مَا يَجْلِبُ لَهُمُ الإِثْمَ وَالشَّرَّ وَالإِيذَاءَ،
وَلا تَعْنِي الْمُرَاقَبَةُ هُنَا – إِخْوَةَ الإِيمَانِ- أَنْ يَتَخَوَّنَ الأَبُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، أَوْ يَقِفَ لَهُمَا بِالْمِرْصَادِ عِنْدَ كُلِّ حَرَكَةٍ، بَلْ عَلَيهِ أَنْ يُحَاوِرَهُمْ حِوَارًا يُخَاطِبُ عُقُولَهُمْ وَيُحَرِّكُ وِجْدَانَهُمْ، وَيُحَصِّنَهُمْ بِجُرُعَاتٍ قَلِيلَةٍ دَائِمَةٍ مِنَ النُّصْحِ وَالتَّوجِيهِ، وَيَتْرُكَ لَهُمْ مِسَاحَةً مِنَ الْعَفْوِيَّةِ وَالْحُرِّيَةِ لِلنِّقَاشِ وَالْحِوَارِ، وَالأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ كَيْفَ يَنْتَفِعُونَ مِنَ الأَجْهِزَةِ الْحَدِيثَةِ، وَيَبْتَعِدُونَ عَنْ كُلِّ سَيِّئٍ فِيهَا، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُفْسِدُ الأَخْلاقَ وَالسُّلُوكَ وَالْقِيَمَ، وَمَا يُنَافِي الْعَادَاتِ وَيُحَرِّمُهُ الدِّينُ ، حَصِّنُوهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يَضُرُّهُمْ، وَأَرْشِدُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ صَلاحُهُمْ وَفَلاحُهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
اتَّقُوا اللهَ وَاجْعَلُوا مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَسِيلَةَ نَفْعٍ فِي دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وَاحْذَرُوا مِنْ كُلِّ مَا يُوقِعُكُمْ فِي الإِثْمِ وَيَجْلِبُ الشَّرَّ لَكُمْ وَلِمُجْتَمَعَاتِكُمْ، تَنَالُوا التَّوفِيقَ وَالسَّدَادَ مِنْ رَبِّكُمْ. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ, فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ, وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ, الْأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ: أَبِي بَكْرٍ, وَعُمَرَ, وَعُثْمَانَ, وَعَلِيٍّ, وَعَنْ سَائِرِ الآلِ, وَالصَّحَابَةِ, وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمُسْلِمِين, وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِينَ, وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا, مُطْمَئِنًا, رَخَاءً, سخَاءً, وسَائِرَ بلَادِ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أصلِحْ لنَا دِينَنَا الذي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلِيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
كسرة:
(برامج التواصل) دي زي السكين ممكن تقطع بيها (سلطة) وممكن (تكتل) بيها (زول)

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: