خطبة الجمعة

لحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً أما بعد :

اللهم أرحم ابنائنا الذين إستشهدوا وهم يطالبون بالحرية والسلام والعدالة ، اللهم أرحم المعلم والمربي أحمد الخير الذي تم تعذيبه بأبشع الوسائل حتى فاضت روحه إلى السماء ، اللهم فك أسر المعتقلين الذين يتعرضون إلى التعذيب والإذلال الذي يجاوز كل أعراف أهل الأرض، وديانات السماء .

عباد الله :
فلنقل أن هؤلاء المواطنين الذيم يساقون إلى المعتقلات هم من (كفار قريش) ومن الذين يناصبون الإسلام والمسلمين العداء ، أتعلمون ويعلم الذين يعتقلونهم أن لهم حقوق؟ هل يعلم أصحاب المشروع الحضاري أن الإسلام قد كرم الأسير (الكافر عديل كده) ، وضمن له الحفاظ على حياته، وأنه لا يمكن أن يتعرض له أحد بأذى، فلا يجوز في الإسلام لمن أسر أسيراً أن يعذبه أو يقتله وإن القرآن الكريم حثّنا على أن نحسن إلى الأسرى، فقال تعالى:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾( سورة الإنسان (8)
وها هو أن النبي عليه الصلاة والسلام، على الرغم من كل ما صنعه يهود بني قريظة من عداء وخيانة للمسلمين، فقد أبى عليه الصلاة والسلام أن يبقوا في شدة الحر، بل أمر أصحابه أن يتركوهم في فترة القيلولة، وأن يسقوهم ماءً بارداً.
ومما حثنا به الإسلام أيها الإخوة أن يستر الأسير، لا أن يعرّى، وأن يؤتى له بثياب أفضل من التي يلبسها:
يروي الإمام البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه لما كان يوم بدر جيء بأسرى، وبعض الأسرى كان عليه ثوب بالٍ، فما كان من النبي، عليه الصلاة والسلام، إلا أن خلع ثوبه، وأعطاه لهذا الأسير.
وكان الأسرى يبيتون عند المؤمنين في بيوتهم، أو في المساجد حفاظاً على حياتهم، وحفاظاً على سلامتهم، يقول الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول له: أحسن إليه.
بل وصل حد التكريم للأسير عند المسلمين ألا يعذب من أجل الحصول على معلومات عن جيشه:
عن الإمام مالك رحمه الله تعالى حين سئل: أيعذب الأسير إن رجي أن يدل على عورة العدو؟ قال: ما سمعت بذلك.

أيها الإخوة الكرام:
لقد جعل الإسلام إطعام الأسير وإكساءه وتلبية حاجاته وإكرامه طريقاً إلى الجنة، فقال تعالى:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (*)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
هذا الهدي النبوي يتوّج بتاج آخر، ففضلاً عما يستحقه الأسير من طعام وشراب وكساء وإكرام، فالنبي عليه الصلاة والسلام من حديث أخرجه الطبراني بإسناد حسن يقول:
( استوصوا بالأسارى خيراً) ، وقد ذكر بعض علماء الأصول إن كلمة (خيراً) جاءت نكرة، ليتجدد المعنى في كل عصر، ففي كل عصر هناك طريقة لإكرام الأسير (سبحان الله) !

عباد الله:
هل يعلم أصحاب المشروع الحضاري الذين يزجون بالمحتجين في المعتقلات والسجون ويعاملونهم أسوأ معاملة أن المسلمين كانوا يفضلون الأسرى على أنفسهم، فكان المسلمون يقدمون للأسرى أجود الطعام، ويأكلون أردأه، يقدمون لهم أثمن شيء، لتقديرهم أن هؤلاء الأسرى أمانة في أعناقهم، حتى يقضيَ الله في شأنهم !

أيها المسلمون :
أرسل أحد الولاة كتاباً إلى سيدنا عمر يقول فيه :
يا أمير المؤمنين، إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت؟ فأجابه عمر: يا سبحان الله، أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإنْ لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإذا حلفوا فأطلق سراحهم، وأيم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم !

أيها المسلمون :
للذين يقتلون الناس بالخوازيق نقول : إن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام في السنة المطهرة، ينهيان عن إيذاء الإنسان أو تعذيبه بأية صورة من الصور، بل إن في السنة النبوية ما يسمو فوق هذا، لقد راعى الإسلام مشاعر الحيوان الأعجم، وأشار النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الحيوان يحس، ويتألم، وقد مرَّ عليه الصلاة والسلام ذات يوم على رجل، وقد أضجع شاته ليذبحها، وبدأ بشحذ سكينه، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه الحاكم في مستدركه :
أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها ؟
وعن شداد بن أَوس رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
( إِنَّ الله كتبَ الإِحسانَ على كل شيء، فإِذا قَتَلتم فأَحسِنوا القِتْلة، وإِذا ذَبَحتُم فأحسنوا الذَّبحَ، وليُحِدَّ أحدُكم شَفرتَه، وليُرِحْ ذَبيحتَهُ ) !
أيها الناس :
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك وأقم الصلاة ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: