خطبة الجمعة

الحمد لله كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المؤمنون عباد الله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

أيها المسلمون :
إن من أخطر الظواهر السيئة التي راجت وانتشرت في مجتمعنا مؤخراً وأصبحت مرضاً عضالاً يشكل خطراً داهماً على مجتمعنا هي ظاهرة نشر الإشاعات والترويج لها واختلاق المعلومات الكاذبة والأخبار الزائفة وتناقل الأنباء المغلوطة وبثها لتحقيق أهداف خبيثة يريد مروجو هذه الإشاعات أن يحققوها ويصلوا إليها.
أيها المسلمون :
لقد حذرنا الله تبارك وتعالى من هذا الداء الخبيث ونهانا عنه أشد النهي وحذر منه في كثير من الآيات وما ذلك إلا لعظم قُبح الإشاعة وكثرة أخطارها وشدة أضرارها على الناقل والمنقول وعلى مستوى الفرد والمجتمع .
يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور 15: 16[.
إن بعض الناس وللأسف مبتلون بهذا المرض الخبيث ومحبون جداً للترويج للإشاعات وعندهم هواية بل احتراف في خلق الإشاعات وجلبها وحب تناقلها وترديدها وغني عن القول أن الذي ينشر الإشاعة جبان والذي يصدقها غبي لا يستخدم عقله ولا يتقي الله في نفسه ودينه فتأكل الإشاعة حسناته وتقضي على أخلاقه وقيمه ولم يكن لهم أن يتمادوا في ذلك لولا أنهم وجدوا قلوباً مريضة تستقبل إشاعاتهم وأفواهاً صدئة تتلقف أخبارهم وتروج لأكاذيبهم وشائعاتهم وأناساً مرضى يسارعون في نقل هذه الإشاعات لهم حب وشهوة للتصدر والنشر ولو بدون تثبت أو تأكد وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾
عباد الله:
إن المسلم العاقل يجب عليه أن يتثبت من المعلومات إذا سمعها ويتأكد من صحتها قبل نشرها ويوزن ما يرد إليه من أخبار وأقاويل بميزان العقل السليم قبل أن يقوله ويذيعه أو يقوم بتوزيعه لا أن يسارع في نشر الإشاعات وتلفيق الأراجيف الباطلة فإن الله سبحانه وتعالى يقول ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6] ويقول ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].
عباد الله :
كم من إشاعات هدمت أسر وساهمت في خراب بيوت وفرقت صداقات وقطعت علاقات وتسببت في أزمات أسرية صعب حلها ، كم من إشاعات حطمت عظماء وتسببت في تثبيت تهم باطلة في حق أناس أبرياء وأقلقت أشخاصاً صالحون وأناسا بريئون وأثارت فتنا وبلايا وأوقعت خطوباً ورزايا..
وصدق الله تبارك وتعالى إذ يقول ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: 191] ويقول في آية أخرى ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: 217].
نعم إن الفتنة أكبر من القتل لأن القتل يقع على نفس واحدة ويهدر نفساً معصومة أما الفتنة أو الإشاعة فإنها تهدم (هدماً جماعياً) يتأثر به كل المجتمع وتقضي على كل الفضائل فيه ، وخطرها لا يقل خطراً عن خطر المخدرات والآفات الأخرى .
وأعظم الإشاعات جرماً – عباد الله – ما كان فيه انتهاك لحرمة مسلم أو بث لأخباره الخاصة وأسراره أو استهداف مباشر لشخصه فكل هذا إجرام كبير وخبث عظيم لا يقوم به من تربى على مكارم الأخلاق .
نعم للأسف الشديد فإن الإشاعات زادت فينا هذه الأيام وكثرت بل فاتت الحد وبلغت في مجتمعنا كل مبلغ، خاصة مع انتشار وسائل التقنية الحديثة وكثرة برامج التواصل الاجتماعي عبر شبكة الانترنت فزادت الإشاعات وتعدد التعليقات وكثرت القروبات وتكاثرت الأكاذيب والشائعات بل أصبحت مادة دسمة على المواقع والصفحات.

أيها المسلمون :
لا شك إنكم تلاحظون إن هناك إشاعات كثيرة تروج هذه الأيام بين الناس دون أن يتبين مروجوها من صحتها أو يتحققوا من صدقها أو يسمعوا من أصحابها وإنما هي أخبار يتداولونها ومعلومات خاطئة يشيعونها وتهم وتلفيقات لا حقيقة لها إلا في أذهان متصوريها ومروجيها يبتغون من ورائها أهدافاً خبيثة يعلمونها ، فأين هؤلاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله ولا يسلمه..
عباد الله :
إن على المسلم أن يتذكر موقفه بين يدي الله يوم القيامة عندما يفصل بين العباد ويقتص للمظلوم من الظالم. وأي ظلمٍ أعظم من افتراء الكذب على الناس ونقله من مكانٍ لآخر قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60]..
اللهم بيّض وجوهنا يوم تبيّضُ وجوهٌ وتسودُّ وجوه.. اللهم طهّر ألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وخذ بنواصينا إلى كل خير، وأرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.. وأقم الصلاة

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: