خطبة الجمعة

الحمد لله الموفق لكل خير وإحسان الحافظ من كل مكروه وإثم وعصيان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

عباد الله:

ها هو عام ينصرم من أعمارنا ونلتقي مع عام ميلادي جديد ، وهكذا تمر بنا الأيام { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } ( آل عمران: 140)؛ { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ }؛ ( النور: 44)، أي غفلة أعظم من أن تمر الأعوام وتنقص الأعمار ولا تتأثر النفوس, ولا تتعظ القلوب؟!

عباد الله:

إن تقارب الوقت والزمن وسرعة مروره خاصة هذه الأيام هو علامة على قرب الساعة، فقد أخرج الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ) ، وهذا هو والله ما نشهده اليوم بل نراه جلياً وواضحاً ، فالوقت يمر على الناس بصورة سريعة تدعو للدهشة والتأمل، حيث أضحى لا بركة في الوقت؛ حتى يخيل إلى الواحد أن السنة كالشهر؛ والشهر كالأسبوع؛ والأسبوع كاليوم؛ ولا أصدق من وصف النبي صلى الله عليه وسلم ،  قال ابن حجر في فتح الباري : ( قد وجد ذلك في زماننا هذا , فإننا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا ) ، فماذا لو رأي زماننا اليوم حيث يمر اليوم كاللمحة .

أيها المسلمون:

إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا كمثل المسافر. يقول ابن القيم – رحمه الله – في(الفوائد): (الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين, وليس لهم حط رحالهم إلا في الجنة أو في النار؛ والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقّة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذّة وراحة, إنما ذلك بعد انتهاء السفر)

اعلم يا عبدالله :

أن انصرام عام يعني انصرام بعضك كما قال الحسن البصري: (يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك) . وقال: (يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك) . وقال: (الدنيا ثلاثة أيام: أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلّك لا تدركه، وأما اليوم فلك فاعمل فيه)، فكل يوم يمر عليكم أيها الناس تزدادون بعدا من الدنيا وقربا من الآخرة فاعملوا وتزودوا لها ؛ قال علي بن أبي طالب: ارتحلت الدنيا مدبرة ؛ وارتحلت الآخرة مقبلة ؛ ولكل واحدة منهما بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة؛ ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل  ، لذلك كان السلف لا يندمون إلا على فوات الوقت الذي لم يرفعهم درجة، قال ابن مسعود: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي) .

فهيا قبل أن تندم ولا ينفع الندم؛ فقد وقف الحسن البصري على جنازة رجلٍ فقال لصاحب له يعظه: (تُرى هذا الميت لو رجع إلى الدنيا ماذا يصنع؟) ! قال: (يكثر من الطاعات) ؛ قال له الحسن: (قد فاتته فلا تفتك أنت)!!

أقول لكم أيها المسلمون: قد فاتت على من كان قبلكم؛ لكن الفرصة ماثلة أمامكم الآن فماذا أنتم فاعلون؟ لذلك شكى وبكى الصالحون والطالحون ضيقَ العمر، وبكى الأخيارُ والفجارُ انصرامَ الأوقات، فأما الأخيارُ فبكوا وندموا على أنهم ما تزودوا أكثر، وأما الفجارُ فتأسفوا على ما فعلوا في الأيامِ الخالية. فعن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ) ،  قَالُوا وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: (إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ) ! فإياكم وضياع الوقت أيها الأحباب فيما لا فائدة فيه؛ يقول ابن القيم: (إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها) .

عباد الله:

إن الأعوام التي تنصرم سنسأل عنها أمام الله ، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: (لنْ تَزُولَ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ ؟ وعَنْ شَبابِه فيمَ أَبْلاهُ ؟ وعَنْ َمالِهِ من أين اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ ؟ وعَنْ علمِهِ ماذا عمِلَ فيهِ ) ، فهيا نشغل أوقاتنا بالطاعة والعمل الصالح النافع في الدنيا والآخرة قبل أن نندم ولا ينفع الندم !!

أحبتي في الله:

أن عاماً قد إنصرم من أعمارنا ولا ندري كم تبقى؟ فعلينا أن نغير ما بأنفسنا من كال فساد وأخلاق ذميمة إلى الصلاح والقيم الفاضلة والعمل الطيب ،يقول الله تعالى في محكم تنزيله (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)

اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وارزق أهله من الثمرات، اللهم من أراد بنا شراً فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم احفظ لنا امننا وإيماننا واستقرارنا وصلاح ذات بيننا، اللهم آمين يا رب العالمين .. وأقم الصلاة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: